محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
214
الإنجاد في أبواب الجهاد
من اثنين إذا كانا على منكر ، وله أن يَفِرَّ من أكثر منهما . وأما الموضع الثاني الذي اختلفوا فيه من هذا الفصل ؛ وهو اعتبار الضِّعف ، هل يرجع إلى العَدَد أو إلى القوة ؟ فقول أكثر أهل العلم أنه في العدد ، واحدٌ لاثْنين ، فيلزم المسلمين الثبوتُ لمثلي عددهم من الكفَّار ، وإن كانوا أقوى في السلاح والشِّدَّة والجَلَد ، وهو المرويُّ عن مالكٍ ( 1 ) ، وغيره من أهل العلم ( 2 ) ،
--> = عنده في حكم الجهاد ، لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق ، وإخماد كلمة الباطل » . وقال معلِّقاً على حديث الباب عند البخاري ( 8 / 313 ) : « واستدل بهذا الحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما ، سواء طلباه أو طلبهما ، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر ، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس ، ورجحه ابن الصباغ من الشافعية ، وهو المعتمد لوجود نص الشافعي عليه في « الرسالة » الجديدة رواية الربيع ولفظه ، ومن نسخة عليها خط الربيع نقلت ، قال بعد أن ذكر آيات في كتابه : أنه وضع عنهم أن يقوم الواحد بقتال العشرة ، وأثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين ، ثم ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب ، وساق الكلام عليه ، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة ، جاز له التولي عنهما جزماً ، وإن طلبهما فهل يحرم ؟ وجهان : أصحهما عند المتأخرين : لا ، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه ، وهو ترجمان القرآن ، وأعرف الناس بالمراد ، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار ، أما المنفرد وحده بغير العسكر : فلا ؛ لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد ، وهذا فيه نظر ، فقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه سرية وحده . وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس ، وفي غالبهما التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين ، واستدل ابن عباس في بعضها بقوله - تعالى - : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } [ البقرة : 207 ] ، وبقوله - تعالى - : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } [ النساء : 84 ] » . ( 1 ) انظر : « النوادر والزيادات » لابن أبي زيد القيرواني ( 3 / 50 ) ، و « الذخيرة » ( 3 / 410 ) ، و « البيان والتحصيل » ( 17 / 30 ) . ( 2 ) قاله الحنفية بقيد يأتي تنبيه المصنف عليه . انظر : « شرح السير الكبير » ( 1 / 89 ) ، « أحكام القرآن » ( 4 / 227 ) للجصاص ، « الفتاوى الهندية » ( 2 / 193 ) ، والحنابلة ، انظر : « كشاف القناع » ( 2 / 374 ) .